أبو الليث السمرقندي

491

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً يعني : لا أجد فيما أنزل علي من القرآن شيئا محرما عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ . يعني : على آكل إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً . قرأ ابن عامر إلا أن تكون ميتة بالتاء على لفظ التأنيث لأن الميتة مؤنث وقرأ مَيْتَةً بالضم لأنه اسم كان . وقرأ حمزة وابن كثير إلا أن تكون بالتاء بلفظ التأنيث مَيْتَةً بالنصب فجعل الميتة خبرا لكان ، والاسم فيه مضمر . وقرأ الباقون إِلَّا أَنْ يَكُونَ بلفظ التذكير الميتة بالنصب ، وإن جعلوه مذكرا لأنه انصرف إلى المعنى ومعناه إلا أن يكون المأكول ميتة أَوْ دَماً مَسْفُوحاً يعني : سائلا جاريا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أي : حرام أَوْ فِسْقاً يعني : معصية أُهِلَّ يعني : ذبح لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يعني : لغير اسم اللّه وقال بعضهم : في الآية تقديم . ومعناه : إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير أو فسقا أهل لغير اللّه به فإنه رجس أي حرام . يعني : جميع ما ذكر في الآية هو رجس . ويقال : الرجس هو نعت للحم الخنزير خاصة . وروى عمر بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء ، فبعث اللّه نبيه وأنزل كتابه ، وأحلّ حلاله ، وحرّم حرامه فما أحل فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، وتلا هذه الآية قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ الآية يعني : ما لم يبيّن تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية . وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن أنه قال : اللّه لولا حديث سلمة بن المحبق ما لبسنا خفافكم ، ولا نعالكم ، ولا فراكم ، حتى نعلم ما هي . قال أبو بكر : فذكرت ذلك للزهري ، فقال : صدق الحسن ذلك عندي أوسع من هذا . حدثني عبيد اللّه بن عبد اللّه عن عبد اللّه بن عباس أنه قرأ قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية . قال : إنما حرم من الميتة أكلها وما يؤكل منها ، وهو اللحم ، أما الجلد والعظم والشّعر والصوف فحلال . قال : وقد احتج بعض الناس بهذه الآية ، على أن ما سوى هذه الأشياء التي ذكر في الآية مباح . ولكن نحن نقول قد حرم أشياء سوى ما ذكر في الآية . وقد بيّن على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ذلك كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير . وقد قال تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] . ثم قال : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقد ذكرنا تأويل هذه الآية . ثم قال : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا يعني : أن هذه الأشياء التي ذكرنا في الآية كانت حراما في الأصل وقد حرّم اللّه أشياء كانت حلالا في الأصل على اليهود بمعصيتهم . كُلَّ ذِي